ابن أبي الحديد

163

شرح نهج البلاغة

( 27 ) الأصل : ومن عهد له عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر - رضي الله عنه - حين قلده مصر : فاخفض لهم جناحك ، وألن لهم جانبك ، وابسط لهم وجهك ، وآس بينهم في اللحظة والنظرة ، حتى لا يطمع العظماء في حيفك لهم ، ولا ييأس الضعفاء من عدلك عليهم ، فإن الله تعالى يسائلكم معشر عباده عن الصغيرة من أعمالكم والكبيرة ، والظاهرة والمستورة ، فإن يعذب فأنتم أظلم ، وإن يعف فهو أكرم . واعلموا عباد الله أن المتقين ذهبوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة ، فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم ، ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم ، سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت ، وأكلوها بأفضل ما أكلت ، فحظوا من الدنيا بما حظي به المترفون ، وأخذوا منها ما أخذه الجبابرة المتكبرون ، ثم انقلبوا عنها بالزاد المبلغ ، والمتجر الرابح ، أصابوا لذة زهد الدنيا في دنياهم ، وتيقنوا أنهم جيران الله غدا في آخرتهم ، لا ترد لهم دعوة ، ولا ينقف لهم نصيب من لذة . فاحذروا عباد الله الموت وقربه ، وأعدوا له عدته ، فإنه يأتي بأمر عظيم ، وخطب جليل ، بخير لا يكون معه شر أبدا ، أو شر لا يكون معه خير أبدا ، فمن أقرب إلى الجنة من عاملها ، ومن أقرب إلى النار من عاملها ! وأنتم طرداء الموت ، إن أقمتم له أخذكم ، وإن فررتم منه أدرككم ، وهو ألزم لكم من ظلكم . الموت معقود بنواصيكم ، والدنيا تطوى من خلفكم .